السيد محمد حسين فضل الله
39
من وحي القرآن
كل حركة ، ليستطيع من خلال ذلك ، العودة إلى الساحة من مركز قوّة ليحوّلها إلى ساحة إيمان ، أو العمل على توسعة آفاقه التي تقربه إلى اللّه وتقرّب الناس من اللّه ، لأن رسالته لا تقتصر على قومه بل تشمل كل الناس . وهكذا رأينا أن هجرة إبراهيم إلى اللّه كانت السبب في بنائه للبيت ليكون مثابة للناس وأمنا ومسجدا للطائفين والقائمين والركع السجود ، وانطلاق الحنيفية إلى تلك المنطقة ، مما قد لا يحصل في بقاء إبراهيم في دائرة قومه . وقد نجد في إعلان ذلك لقومه إيحاء لهم ، بأنه لن يضيع عندما يتركونه ولن يذلّ عندما يخذلونه ، بل سيجد عند ربه الهدى في حكمته ووحيه ، وسيحصل على العزّة في قوّته وجبروته ، وأنّ ربه ليس مجرد فكرة تجريدية يخلقها في داخل نفسه ، كما يخلقون أصنامهم من خلال أوهامهم ، بل هو حقيقة تهيمن على الكون كله ، وتدبّره وترعاه ، وترعى كل موجود فيه ، وتؤمّن كل خائف في حياته . ولن يستطيع أحد أن يرعاه كما يرعاه ربه ، أو يحميه كما يحميه اللّه . ولذلك فإنه مهاجر إليه ، بعد خذلان قومه له واضطهادهم له إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لا يذل من نصره ولا يضيع من حفظه . * * * النبوّة في ذرية إبراهيم وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ أي كرمنا إبراهيم عليه السّلام ، بأن جعلنا النبوة تمتد في أبنائه إسحاق ويعقوب ، وذلك لما كان عليه - عليه السّلام - من تسليم قلبه للّه تعالى ، ومن صبر على تحمل أعباء الرسالة . . ولما حمله أولاده في قلوبهم من إيمان ، وفي سلوكهم من التزام بأوامر اللّه ونواهيه ، بحيث استحقوا أن يكونوا موضعا لكرامة اللّه